سميح عاطف الزين
110
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
وكان الأب يتأمل هذا الابن ، وما صار عليه حاله من هزال : فقد ضمر بطنه ، ودق عوده ، وشحب وجهه ، ومع ذلك فهو يتذمر ، ولا يشتكي ، فيزيده ذلك غما على غم ، وحزنا على حزن ، إلّا أنه لا يريد أن يفقد الأمل . . ويذهب يوما إلى ركن الكعبة ، وهو يلوذ بظلها مثل طائر كسير الجناح ، قد فرّ إلى مأوى يحميه . . ويأخذه النوم ، فيتراءى له كأن أحدا يوقظه ، وهو يصرخ فيه وبلهجة غليظة هذه المرة : قم يا عبد المطلب إلى زمزم . . فيهب مذعورا ، وينظر من حواليه فلا يجد أحدا . وقعد عبد المطلب غارقا في التفكير ، وهو يطوّف في أحداث الأجيال الماضية ، ويتذكر ما علم من أخبارها ، حتى عبرت بذهنه قصة إساف ونائلة ، وقد كانا زوجين ، فبغيا في الكعبة ، فمسخهما اللّه تعالى حجرين ، وقد جرى نقلهما في الماضي البعيد ، من جوار الكعبة ، إلّا أنّ الناس اتخذوهما ، ظلما وجهالة ، إلهين يعبدونهما ، حتى ذاعت شهرتهما في بلاد العرب . . فقال في نفسه : لعلّ في شهرة زمزم ومكانتها في النفوس ما دفع إلى نقل المسخين إليها ، ليكونا عبرة يعتبر بهما الناس إلى جانب معجزة ماء زمزم ، التي هي بذاتها عبرة لمن اعتبرها . وبهذا التفكير اهتدى إلى أنه : ها هنا قد تكون إذن بئر زمزم ، الضالّة المنشودة . وحمل عبد المطلب عدته ، وانكب وابنه الحارث على كشف الرمال والحفر عند إساف ونائلة . . واستمرا في العمل عدة أيام حتى نال منهما الجهد كثيرا ، مما جعل عبد المطلب يذهب ، إلى جوف الكعبة ، ويستعين برب هذا البيت ، حتى يخلّصه وابنه من عذابهما . وفي تلك الليلة بالذات ، وفي هدأة الليل ، وقبل طلوع الفجر ،